"وداعا للطبقة الوسطى".. ماذا حدث للطبقة الوسطى؟

 

عرض وكتابة:مدونة اقتصد

   يعد كتاب (وداعا للطبقة الوسطى) لمؤلفه رمزى زكى من أهم المؤلفات التى تتناول أوضاع الطبقة الوسطى ليس فى الدول النامية وحدها و لكن فى الدول المتقدمة أيضا. الكاتب يرى أن تلك الطبقة معرضة للزوال بسبب الضغوطات الاقتصادية التى تعانى منها وخاصة فى ظل التحولات الاقتصادية مثل التحولات التى تطرأ على السياسات الحكومية فى ظل الأزمات الاقتصادية من ترشيد للانفاق العام وغيرها من السياسات  والتحولات التكنولوجية الناتجة عن الثورة الصناعية الثالثة مثل إحلال العمل الألى محل العمل البشرى.

  إذن فماذا حدث للطبقة الوسطى؟ هذا ما يجيب عنه الكاتب فى كتابه المقسم إلى دراستين؛ الدراسة الأولى: يلقى الكاتب نظرة عامة على الثورة الصناعية الثالثة. أما الدراسة الثانية: فيعكس الكاتب تأثيرات تلك الثورة التى واكبت ما أسماه "الليبرالية الجديدة" على أوضاع الطبقة الوسطى فى كل من الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية.

  فى الدراسة الأولى يستعرض الكاتب النظرة المتفائلة  لبعض الاقتصاديين بالثورة الصناعية الثالثة  والنتائج المتوقعة من تلك الثورة فى تحسين حياة الأفراد. هذه النظرة التى يمكن تلخيصها فى أن أى نتائج سلبية تحدث بسبب الثورة الصناعية الثالثة هى نتائج عارضة ما تلبث أن تختفى بمجرد تساقط ثمار النمو وعمومها على جميع الناس.

  هذه النظرة التهوينية للاثار السلبية  للثورة الصناعية الثالثة يحللها الكاتب من خلال الأرقام والاحصاءات الرسمية فى الدول المتقدمة والتى تشير إلى زيادة نسبة البطالة الناتجة عن انتشار الأتمتة وأن فرص العمالة التى تخلقها تلك الثورة منحصرة فى فئة قليلة أسماها الكاتب "عمال المعرفة" من مبرمجين وعلماء. وبالتالى تضطر باقى  الفئات التى لا تنتمى إلى فئة عمال المعرفة إلى العمل ساعات أكبر بأجر أقل فى ظل بيئة عمل لا توفر حتى الأمان الوظيفى لموظفيها بسبب اعتمادها على عقود العمل المؤقتة.

  ونتيجة تفاعل تلك الأوضاع يتحول اقتصاد الدولة الواحدة إلى اقتصاد مزدوج ذو أقلية غنية وأكثرية مهمشة بما فيها الطبقة الوسطى، وهو ما عالجه الكاتب بالتفصيل فى دراسته الثانية.  

  فيعرف الكاتب فى بداية دراسته الثانية (التى تستهدف عرض تأثيرات الليبرلية الجديدة على الطبقة الوسطى فى الدول الصناعية و النامية) الطبقة الوسطى والإشكالات المتعلقة بتعريفها. كما يستعرض المراحل الثلاث التي مرت بها الليبرالية و هم: الليبرالية المطلقة، والليبرالية المنظمة، والليبرالية الجديدة أو الطائشة.

  فالليبرالية -كما يري الكاتب- تطورت من كونها ليبرالية مطلقة (تلك التى ترفض تدخل الدولة فى الاقتصاد) إلى كونها ليبرالية منظمة (تلك الفترة التى تميزت بتدخل كبير للدولة فى النشاط الاقتصادى ) وصولا إلى مرحلة الليبرالية الجديدة أو الطائشة (التى تزامن ظهورها مع انتشار الركود التضخمى فى السبعينات حتى كتابة الكاتب للكتاب فى التسعينات ورفضت تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى ).

  ففى البلاد المتقدمة أدت ظاهرة الركود التضخمى أى زيادة معدل البطالة وزيادة معدل التضخم إلى ظهور تلك الليبرالية الجديدة التى تتلخص فلسفتها فى تحجيم دور الدولة من خلال تقليل الانفاق الحكومى فى كافة المجالات للسيطرة على عجز الموازنة فى مقابل إعطاء مساحات أكبر للقطاع الخاص. وهي تشبه مرحلة الليبرلية المطلقة إلا أنها أكثر توحشا.

   ومن ثم أدت تلك السياسات التى اتبعتها الدول فى مرحلة الليبرالية الجديدة إلي زيادة الأعباء الاقتصادية على المواطن  من الطبقة الوسطى بسبب ارتفاع تكلفة الخدمات العامة و زيادة الضرائب على المواطن حيث قللت الدولة من الضرائب على القطاع الخاص لتتيح له فرصة أن يتوسع فى الاستثمار المولد لفرص العمل. و ما نتج عن تلك الأوضاع الاقتصادية من انعكاسات على بنية المجتمع. حيث زادت نسبة الانتحار والعنف و زيادة الاتجاهات العنصرية.

  ويتساءل الكاتب؛ إذا كانت هذه تأثيرات سياسات الليبرالية الجديدة فى الدول المتقدمة، فكيف يمكن أن تؤثر  هذه السياسات  على الدول النامية؟

  ويُجيب بأن الدول النامية انتقلت إليها عدوى تلك التأثيرات من خلال  امتزاج محورين: هما المحور الدولى والمحور المحلى. فالمحور المحلى فيتمثل فى السياسات التى اتبعتها تلك الدولة لتحقيق النمو والتنمية .أما المحور الدولى يتلخص فى مجابهة أثار تلك السياسات المحلية التى اتبعتها الدول النامية  لتحقيق النمو من خلال زيادة الاقتراض الخارجى.

   فبسبب سعى الدول النامية لتحقيق معدلات نمو عالية للحاق بالدول المتقدمة و نتيجة عدم كفاية الموارد المحلية لتلك الدولة اضطرت إلى الاقتراض بأسعار فائدة باهظة نتيجة قلة عدد المنح والمساعدات التى أصبحت تلك الدول تحصل عليها  و خاصة فى السبعينات مما اضطرها فى النهاية للجوء إلى صندوق النقد الدولى والبنك الدولى. تلك المؤسسات المشهورة بإتباع سياسات الليبرالية الجديدة من تحجيم الانفاق الحكومى ودور الدولة وإفساح المجال أمام القطاع الخاص المحلى والأجنبى.

  وتبلورت نتائج سياسات الليبرالية الجديدة فى الدول النامية من خلال انعكاساتها على الطبقة الوسطى. حيث نتيجة اتباع حكومات تلك البلاد لمجموعة من السياسات الانكماشية (أى تقليل الانفاق الحكومى من خلال تقليل الدعم و زيادة أسعار الخدمات العامة و زيادة الضرائب لتخفيض عجز الموازنة) بناء على برامج الاصلاح الاقتصادى التى تبنتها تحت لوائي صندوق النقد الدولى والبنك الدولى.

  أدت تلك السياسات الانكماشية إلى تقليل الأجور الحقيقية التى يحصل عليها أفراد الطبقة الوسطى و زيادة معدلات الهجرة و زيادة التشغيل فى القطاع غير الرسمى و ظهور العشوائيات نتيجة تخفيض الحكومات إنفاقها على الإسكان الشعبى مما انعكس على مستوى معيشة الطبقة الوسطى.

  وختامًا، ينبه الكاتب إلى ارتباط  تلك السياسات الانكماشية بزيادة الاضطرابات الاجتماعية حيث تزيد نسب العنف و التطرف فى المجتمعات النامية إذا لم يتم معالجتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة