لماذا الاقتصاد الإيرانى فى حالة تصدع؟

 

عرض و ترجمة:يسرا نصر

نشرت جريدة تاز الألمانية - يوم الاثنين الموافق الرابع من أغسطس عام 2025- مقالًا تحت عنوان "لماذا الاقتصاد الإيرانى فى حالة تصدع". يسلط المقال الضوء على الوضع الاقتصادى فى ايران و خاصة بعد  موافقة البرلمان على مشروع حذف أربعة أصفار من العملة الايرانية.

لماذا الاقتصاد الإيرانى فى حالة تصدع؟

ستقوم ايران بحذف أربعة أصفار من عملتها.لكن مدى فاعلية هذا الإجراء فى إيقاف البؤس الاقتصادى فى البلاد هو أمر محل جدل.

كل من يذهب لشراء الخبز فى إيران عليه أن يأمل فى الدفع باستخدام البطاقات البنكية.لأن البديل لن يكون أوراق مالية لكن حزم نقدية.تبلغ تكلفة خبز السنكك الإيراني وحده وهو نوع مشهور من الخبز المسطح حوالى 75 ألف ريال أى ما يعادل 75 سنتًا.بالفعل تبدأ فئات النقد الإيراني من 1000 ريال.والسبب :أعوام متواصلة من التضخم الجامح، فمنذ عام 2018 كان التضخم باستمرار فوق 30%.

لذلك، ترغب الحكومة الآن  فى حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية دفعة واحدة.مما يسهم فى تسهيل المعاملات المالية  فى المستقبل. يرجع تاريخ هذا الاقتراح(مقترح حذف الأصفار) إلى عام  2019 لكن كان يتم رفضه. فقط الآن وافقت اللجنة الاقتصادية بالبرلمان يوم الأحد على المشروع .

يبدو الإجراء رديكاليًا لكنه  فى الواقع ذو طبيعة جمالية. حيث أن  مشاكل الاقتصاد الإيرانى من التضخم إلى العقوبات الاقتصادية و نقص المياه المتصاعد بقيت على حالها.على العكس ازدادت سوءًا منذ الحرب الجوية مع إسرائيل فى يونيو.

لقد خلفت تلك الحرب دمارًا اقتصاديًا فى  كلا البلدين إيران وإسرائيل.فبحسب بيانات البنك المركزى الإسرائيلى بلغت تكلفة الحرب 6 مليار دولار.على الجانب الإيرانى لا توجد أرقام رسمية،لكن الضرر كان أعلى عدة مرات.كلف البرنامج النووى وحده إيران  منذ البداية  أكثر من 100 مليار دولار بما فى ذلك الاستثمارات المباشرة والعقوبات.ذلك وفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة  كارنيغى للسلام الدولي و هو مركز  فكر أمريكى معنى بالسياسات الأمنية .


تضرر الاقتصاد المدنى

كذلك تأثر بشدة الاقتصاد المدنى.بحسب بيانات الغرفة التجارية الإيرانية خسر قطاع  السياحة الإيرانية 110 مليون دولار أمريكى خلال الحرب التى استمرت 12 يومًا.

"لقد قاومنا العدو  الخارجى.لكن الآن ننهار من الداخل" هكذا كتب أمير ذو الثمانية و العشرون عامًا خلال محادثة مشفرة.أمير،الذى يحمل اسمًا مستعارًا لأسباب أمنية،يعمل كرئيس للتسويق فى شركة ناشئة تسوق للعقارات باستخدام الذكاء الاصطناعى.الآن بعد الحرب،يخاف على عمله.

فى الوقت الحالى،تصمت الأسلحة و تستمر الحياة و بالطبع ليس كل شىء كما كان فى السابق. بحسب أمير،ما زالت العديد من البنوك تعانى من مشكلات  فى الخوادم الخاص بها بعد الهجمات السيبرانية الإسرائيلية. حتى أن بنكين كبيرين جمدا جزء من احتياطاتها النقدية بشكل مؤقت،فلم يعد بمقدور الشركات و العملاء من القطاع الخاص الوصول إلى احتياطاتهم.

الأزمة محسوسة أكثر فى سوق العمل.يقول أمير: "فى منطقتى ثلاثة من كل خمسة أشخاص يعملون بمجال التسويق إما تم إعفاؤهم من الخدمة أو تم طردهم". هو أيضا لديه خوف من استبداله بعمالة أرخص.تعتمد شركته على المستثمرين وهى تعانى الآن من نقص فى التمويل.

اقتصاد مرن لكن منهوب

الأزمة الحالية فى إيران جاءت فى ظل اقتصاد فى حالة ركود منذ سنوات.كانت إيران فى عام 2023 تعادل هولندا بناتج محلي إجمالي معدل وفقًا للقوة الشرائية بلغ 1,6 مليار دولار وفقًا للبنك الدولى لكن بتعداد سكانى بلغ 90 مليون نسمة أى خمسة أضعاف عدد سكان هولندا.هذا معناه  بالنسبة للعديد من الإيرانيين أن يكون لديهم وظيفتين لإعاشة أنفسهم و عائلاتهم.فى النهار عمل مكتبى و فى المساء سائق تاكسى.

السبب فى البؤس الاقتصادى:العقوبات الغربية،التضخم،انقطاع التيار الكهربائى المتكرر و أخيرًا نقص المياه المتصاعد.الكثير من هذه المشكلات محلية الصنع.

يقوم النظام بطباعة المال  من أجل موازنة عجز الموازنة الكبير ما يؤدى إلى زيادة التضخم والذى دفع جزء كبير من الطبقة المتوسطة إلى الفقر.بالإضافة إلى ذلك سوء الإدارة الحكومية ،الفساد وسياسات الدعم المضللة.

تقدم صناعة السيارات  نموذجًا لكيفية قيام الحكومة الإيرانية بإفقار البلاد:فالصناعة تقع إلى حد كبير تحت سيطرة الحرس الثورى الإيرانى.وهو قوة شبه عسكرية،يحمى النظام الثيوقراطي من أعداء الداخل و الخارج و فى نفس الوقت يتمتع بامتيازات لا حصر لها.


تفرض الحكومة الايرانية رسومًا جمركية باهظة على واردات السيارات و تغلق المجال بإحكام أمام المنافسة الأجنبية للسيارات محلية الصنع.تستخدم شركات الحرس الثورى الإيرانى هذا الاحتكار بلا هوادة ،حيث تنتج سيارات منخفضة الجودة و تبيعها للمواطنين بأسعار مبالغ فيها.

و فى ضوء هذا الوضع،تعتبر هذه معجزة ألا يكون الاقتصاد الإيرانى فى وضع أسوأ.نما الناتج الامحلى الاجمالى بمعدلات طفيفة كما أن معدل البطالة لم يتجاوز 8%.ترجع هذه المرونة ليس فحسب إلى صادرات النفط بل إلى مزايا هيكلية:على عكس معظم الدول المجاورة يتمتع قطاع الصناعة والخدمات فى إيران بقوة كبيرة  كما أن مستوى تدريب الناس مرتفع. 


سكان  فقراء:شيء جيد أم سىء للنظام؟

 يجب على  الجمهورية الاسلامية بعد الحرب مع إسرائيل بناء قدراتها العسكرية مما يؤدى بالطبع إلى تعميق عجز الموازنة الحكومية و بالتالى التضخم.و ينعكس هذا بدوره على زيادة الضغط على  الطبقة المتوسطة، على أشخاص مثل أمير.هل سيؤدى ذلك إلى مظاهرات و إضرابات جديدة؟

 قبل بداية يونيو،قبل الحرب احتج سائقو الشاحنات على مستوى الدولة بسبب تدنى الأجور.و على أثر ذلك اعتقل النظام أكثر من 40 شخصا.أيضا دفع نقص المياه فى عدد من المدن إلى النزول إلى الشارع.إذا قامت الحكومة فى المستقبل القريب بإلغاء دعم الوقود -المخطط له بالفعل منذ سنوات و الذى لم يتم تطبيقه خوفًا من أعمال شغب جديدة- بالتالى اندلاع مظاهرات جديدة  أمر غير مستبعد.

يسود فى الوقت الحالى شعور بالاستسلام."محاولة جديدة لإسقاط النظام.ليس لدينا القدرة على ذلك حاليًا"قال أمير.لقد استنفذت هذه القوة بعد كل هذه المحاولات الفاشلة وبعد القصف الإسرائيلي و بعد ست عشرة ساعة عمل.




تعليقات

المشاركات الشائعة